مشاعر الأنثى في قصيدة هل تعلم؟! لسامية سلوم
بقلم د.احمد مصطفى
يذكر أهل العلم أنه يوجد فرق كبير بين العلم والمعرفة، وأن المعرفة أوسع من العلم ؛لاشتمالها على معارف قدتكون علمية وقد تكون غير علمية،وأنها نقيض الإنكار والجحود، وأنها ترتبط بذات الشيء وحضور الصورة ،وتبعث في النفس السكون، وفيها من التدبر والتأمل مايحث الإنسان على مزيد من الجهد في الوصول لمراده.
أما العلم، فهو نقيض الهوى والجهل ، يرتبط بالصفات والأحوال أكثرمن ارتباطه بالذات؛لذا كان اختيار الشاعرة سامية سلوم لعنوان قصيدتها (هل تعلم؟!) والتي تقول في مطلعها:
هل تعلم؟!
حين تزور خيالي دوما
أشعر أني امرأة أخرى
أن جمال نساء العالم شُكل فيا
في عيني وفي شفتيا
خد الورتألق شوقا
صار نديا
هل تعلم؟!
شفتي تتشكل أغنية
تعزف لحنا
فوق كمان الوتر الحي
والكحل بعيني تعمق
يغري أكثر…
يزهو أكثر…
ونداه صريح وجلي
احساس راق وخوالج نفسس شاعرة تلبي حاجة المشاعر التي تحاصر الوعي وتعبر عن شوق وحنين ،وتشابك علاقة قوية يغلفها المحبة والحنان، تبوح سامية بهذا الفيض من الوجد النفسي المليء بحب الأنثى ، حبا متمازجا متداخلا ،لايمكن فصله ،دون تكلف ؛ وكأنها طائر يغرد بسلام؛فيمنحنا الشجن مجانا .
إلا أن بوحها الشجي لم يكن على حساب مشاعر أخرى، فهي تعبر عن احساسها تعبيرا ينفذ للوجدان، فكان تصويرها دقيقا ،يصل إلى حالة الإنسانية في أسمى معانيها،وصارت نفثاتها الحارة تجمع بين الفخر والعتاب من ناحية وبين الوصف والشكوى من ناحية أخرى ،وكلها أغراض تزيد الشعور جمالا وبريقا يحررها من القيود والالتزام ،وتجعل الشاعر ملاحا تائها في خضم بحور الشعر وروحا شارة في آفاق المعاني.
والقصيدة أنثى ، والأنثى حين تبعث برسائلها شعرا تكون أصدق مثالا وأعمق محبة وأكثر وفاء، خاصة حين تذكر ألمها وما ينتابها من هجر ولوعة ، وحين ترسم صورة دامعة يذوب معها القلب، وحين تعبر عن حالة عشق بانفعال قوي وعاطفة جياشة بلغة سهلة يكسوها الابداع.
هل تعلم؟!
حين تُطل بهيبة صمتك
حين عبيرك يسكن سمتك
أغفو فوق عنادل صوتك
نهر حنين يهدر فيا
هل تعلم؟!
حين تمس أصابع كفي
لكأنك صافحت القلب فصار وليا
يتمايل من فوق النشوة
عن يُمناي وعن يُسراي
يفيض غراما ملء يدي
تأمل هذا الفضاء الشعري وهذه الروح الشاعرة ، وهذه الذكريات المتشابكة كتشابك أصابع اليد، كلها أمور جعلت النص مفتوحا رحبا يستوعب الأحداث البسيطة والمعقدة، مهما كانت الخواطر ، وأن سامية الجميلة الرقيقة الأنيقة ،صارت فراشة تحط على الزهر، تحتضن بيمنها ويسراها ما جالت به ذاكرتها أينما رحلت وأينما حلت ، تتعدى حيز الفراغ العاطفي إلى حيز لايملؤه علم ولاثقافة ولافلسفة. فتكتب الشعروهي ملمة بأدواته بتفوق يحقق التقارب والمتعة ، مهما شعرت بألم وحزن وشوق وحنين وكبرياء.
هل تعلم؟!
حين أطل بلوذ العين
أهيم طويلاجدا جدا
أرتحل بعيدا وأسافر
عبر النظرة ياشوقيا
فالأنثى تحتاج كثيرا
من كل رجال العالم رجلا
في وسط الأنواء قويا
هل تعلم؟!
أن غرامك يكبر يكبر
أخشى أن يغمرك بعنف
لاتتحمل هذا العشق
فتعود شقيا
وفي كل مقطع تفاجئنا سامية بمسافات بينها وبين هذا الرجل أو الأخر المحظوظ بذكره في شعرها ،وأنه رغم هذه المسافات والأحلام وهذه المواجع يتجدد شوقه مع شوقها وحنينه مع حنينها، وهي الأنثى الشامخة ذات الرداء الأبيض الذي لايشوبه براثن الغدر والخيانة ، وأنها أنثى قوية لايملأ قلبها إلا رجل قوي ،يتحمل عشقها الكبير، وحبها الصادق وغرامها العميق.
صور مزدحمة وقاموس شكلت مفرداته بسهولة ويسر، فأتت بلوحة فنية فيها العفوية التي يجتمع حولها أرباب اللغة والبيان، لكن سامية أشعلت الفتيل ورمتنا بحبها وانسلت، وقلبت معنا صفحات الماضي ،وبقايا أوراقه،في مساحة لم تبعثرها العاصفة الهوجاء، إذ أنها لم تقبل أن تكون امراة على الهامش، تتراكض مشاعرها هنا وهناك خلف بقايا الذكريات، أو تسقط دمعات حائرة تنعي بها حظها.
هل تعلم؟!
حين تقبل عيني شفتك
تندلع النار بأشواقي
كم أتمنى تلك اللحظة
أن أتسامى بين يديك
أكون صفيا
هل تعلم؟!
آآآآآآآآآآآآه إن كنت بحق تعلم
كنت أتيت الآن إلي
جميلة سامية حين تحدتت بتعبيرات ذاتها الشاعرة ، وبددت أوهام الأنثى الناضجة بكلماتها الصاقة، وكانت شجاعة في دعوتها للرجل ، وفي بثها لنتائج مشاعرها إذا تحققت شروط عشقها ، خلف هذا الطرح الكثير من الأسئلة وهذا الحوار الذاتي الغني بالعرض والتحليل والتأمل والأنا الشاعرة، فسردها لما انتابها من مشاعر فياضة ،جعلها تقدم أنموذجًا واعيًا لأسلوب القص الذاتي الذي يشعرك بأنك أمام سيرة ذاتية تقودك إلى نهاية قد تلمسك ،اختارت سامية جملا ذات ايقاع موسيقي ، وكلمات بسيطة ،وتحدثت بصدق عن مشاعر الأنثى الحالمة، فجاء القصيدة مباشرة لاتعقيد فيها، فما صدر من القلب يصل القلب.

